صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
19
شرح أصول الكافي
الفطن الغائصة ، ان المقصود لما كان هو المبالغة في عدم إصابة وصفه تعالى بالفطنة من حيث هي ذات غوص وبالهمة من حيث هي بعيدة كانت تلك الحيثية مقصودة بالقصد الأول ، والبلاغة تقتضى تقديم الأهم والمقصود الأول على ما ليس كذلك كما هو المقرر عند أهل البيان وتشهد له الأذواق السليمة . وبالجملة فالمعنى : لا يدركه همة وان بعدت ولا يناله فطنة وان ذكت واشتدت في ذكائه ، فكل سابح في بحار جلاله غريق وكل مدّع للوصول فبانوار كبريائه حريق . سبحانه وتعالى عما يصفون الظالمون علوا كبيرا . الفصل السابع في انه تعالى مرتفع الذات عن الأزمنة والأوقات والآجال والامداد قوله عليه السلام : ليس له وقت معدود ولا اجل ممدود ولا نعت محدود ، وصف الوقت بكونه معدودا كقوله تعالى : فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ « 1 » ، وقوله تعالى : وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ « 2 » ، وهو كون المعلوم داخلا في العدّ والاحصاء ، وذلك ان العدد لا يتعلق بالوقت من حيث هو واحد متصل ، فإنه من تلك الحيثية ليس معدودا بالوقت بل مبدأ للعدد ، وانما يتعلق به من حيث يعرضه الكثرة بانقسامه بسبب الوهم أو بحسب اختلاف العوارض الحادثة إلى الأوقات الكثيرة كالاعوام والشهور والأيام ، ومراده عليه السلام في هذين الحكمين نفى نسبة ذاته وما يلزمها من صفاته إلى الكون في الزمان ، وان يكون ذات اجل ينتهى إليه فينقطع وجود ذاته بانقطاعه ، وفي توصيف الوقت بالعدّ اشعار بقبوله للكثرة المنافية لاحدية ذاته وكذا في توصيف الاجل بالمدّ تنبيه على لزومه للتقدر والتجسم المنافى لتجرده عن الجسمية . واما البرهان على تنزهه تعالى عن الزمان فمن وجهين : أحدهما : انه من لواحق الحركة التي هي من لواحق الجسم ، فلما كان البارئ سبحانه منزها عن الجسمية استحال ان كان في زمان . وثانيهما : انه تعالى موجد الزمان فان أوجده فهو في الزمان
--> ( 1 ) . البقرة / 203 ( 2 ) . هود / 104